تكتسي المناطق الجبلية موقعا متميزا في النسيج الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لكثير من دول العالم بما في ذلك منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا. ففي المغرب تحديدا حيث تتسامى قمم أربع سلاسل جبلية، يلعب المجال الغابوي دورا محوريا على عدد من المستويات. يكفي أن نذكر أن حوالي 30% من سكان المغرب تسكن بالمناطق الجبلية حيث تستغل ما يناهز 30% من الأراضي الزراعية للبلاد. كما أن المناطق الجبلية خزان استراتيجي للمياه الجوفية والسطحية ومجال رعوي وغابوي متنوع يعتبر عن جدارة بنكا طبيعيا للموارد الجينية النباتية. زد على ذلك أن الجبال مجال بشري وحضاري غني ومتميز طبع جل المراحل التاريخية للأمة المغربية. إلا أن المناطق الجبلية تظل رغما عن ذلك رهينة نظام ايكولوجي هش ونظام إنتاج فلاحي يرتكز بالأساس على استغلال موارد طبيعية تتعرض، اليوم أكثر من أي وقت مضى، لضغوطات متنوعة ليس أدناها الحاجيات البشرية المتزايدة وانعكاسات التقلبات المناخية.
نظرا لكل ذلك، لا يستقيم التدخل السليم للتحسين المستدام لسبل عيش المجتمعات القروية الفقيرة بالمناطق الجبلية دون الاهتمام بتطوير إدارة الموارد الطبيعية عموما والمائية منها على الخصوص.
وفي هذا الإطار يندرج مشروع « تحسين إدارة المياه لضمان استدامة الزراعة الجبلية في الأردن ولبنان والمغرب » الذي تنجزه مراكز البحوث الزراعية وهيئات التنمية الفلاحية بالبلدان الثلاثة بتعاون مع المركز الدولي للدراسات بالمناطق الجافة والأراضي القاحلة (ايكاردا) وبدعم من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد)، والذي يهدف إلى تعزيز الممارسات المستدامة للإنتاج الزراعي وتحسين سبل عيش الساكنة القروية من خلال الإدارة المتكاملة للتربة والمياه والمحاصيل لضمان زيادة مستدامة في الإنتاجية وتخفيض تدهور الأراضي في المناطق الجبلية.
يضطلع فريق من باحثي المركز الجهوي للبحث الزراعي لمكناس، يسندهم مسئولو ومهندسو التنمية الزراعية لإقليم بولمان، بإنجاز أنشطة هذا المشروع في تراب جماعة
نورالدين بحري
المركز الجهوي للبحث الزراعي لمكناس
تالزمت الواقعة بالجانب الشرقي لسلسلة جبال الأطلس المتوسط. ويتبنى هذا المشروع العلمي إستراتيجية للتدخل وفق أربعة محاور أساسية هي :
1. تحديد إمكانات تجميع المياه وأنظمة المحافظة على التربة.
2. تحسين إدارة المياه لأغراض الزراعة المستدامة للجبال.
3. تقييم الإطار المؤسساتي والسياسي للمناطق الجبلية.
4. تقوية القدرات في مجال تحسين إدارة المياه لأغراض الزراعة الجبلية.
انطلقت أشغال هذه المبادرة في النصف الثاني من سنة 2011 بإنجاز تشخيص تشاركي للمنطقة مكن من معرفة مدققة لمؤهلات المجال المعني ومن تحديد العوائق الأساسية لتنمية فلاحية مستدامة تعبأ بشكل أفضل الموارد الطبيعية المتاحة. ثم اضطلع فريق العمل بإنجاز الدراسات الخاصة ببلورة خريطة مؤهلات الأراضي الفلاحية بتالزمت على قاعدة معطيات علمية من كميات التهاطلات و خصوصيات التضاريس المحلية والنظم الزراعية، إلخ.
أما فيما يخص مياه السقي، فإلى جانب تجميع واستغلال البيانات الخاصة بمؤهلات المنطقة (كميات المياه القابلة للتجميع، حفظ التربة ونظم الإنتاج) يعمل فريق البحث على تقييم منشآت حفظ التربة والمياه القائمة في أفق إعادة تأهيلها وتعزيزها. كما ترصد أهمية بالغة لمقارنة طرق ري المزروعات من أجل إدخال ممارسات جديدة وأكثر فعالية كالري بالعجز، الري التكميلي وبالتنقيط.
ومن جهة أخرى، أقيم حقل تجريبي لزراعة اللوز وفق نظام يراعي شروط الحفاظ على التربة والمياه كما تمت مباشرة التجارب الميدانية الأولى الهادفة إلى تنويع نظام الإنتاج الزراعي عبر إدخال أصناف جديدة من الأشجار المثمرة مع متابعتها تقنيا.
أما فيما يخص الدعم المؤسساتي، فيعمل الباحثون على تقييم السياسات العمومية لتنمية الفلاحة بالمناطق الجبلية عموما، وبمنطقة تالزمت خصوصا، وعلى تحديد الفرص المتاحة لتعزيز قدرات المؤسسات المدنية المحلية، الجمعوية منها والتعاونية والمهتمة بتدبير مياه السقي، لمشاركة أفضل في الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية المحلية خدمة للتنمية المحلية المستدامة.
ويلتزم هذا المشروع الذي يمتد إنجازه حتى سنة 2014 بالعمل الدؤوب على تقوية القدرات المحلية في مجال التعبئة المستدامة للموارد الطبيعية لأغراض تطوير الإنتاج الزراعي عبر الإشراف على دورات تدريبية ميدانية لفائدة المزارعين وفق مقاربة المدارس الحقلية التي تتيح تقويما جيدا للمعارف المحلية وتثمينها بالتفاعل عن قرب مع الباحثين وأطر التنمية القروية ذات الخبرة العالية.
نورالدين بحري، المركز الجهوي للبحث الزراعي لمكناس



